الشيخ عبد الغني النابلسي
145
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ظهور تلك الصورة في المرآة ( ذهب ) اجتهادا منه ( إلى أن الصورة المرئية ) في المرآة ليست منطبعة في صقالة وجه المرآة ولا انعكس شعاع البصر بصقالة وجه المرآة إلى نفس تلك الصورة والمقابلة للمرآة ، بل تلك الصورة منطبعة في الهواء الكائن ( بين بصر الرائي وبين ) جرم ( المرآة هذا ) الأمر المذكور ( أعظم ما ) ، أي شيء ( قدر ) هذا البعض القائل بأن الصورة بين البصر والمرآة ( عليه من العلم ) بذلك ( والأمر ) في نفسه ( كما قلناه ) بأن الصورة في المرآة ( وذهبنا إليه ) لا كما قال غيرنا وذهب إليه ( وقد بينا هذا ) المبحث الذي هو مسألة تجلي ذات الحق تعالى في صورة استعداد العبد كتجلي المرآة على الناظر إليها بصورته غير ذلك لا يكون أبدا ( في ) كتابنا ( الفتوحات المكية ) ، وهو كتاب للشيخ قدس اللّه سره حافل من أكبر كتبه في نحو أربعة أسفار كبار ، بسط فيه الكلام على هذه المسألة وغيرها من المسائل بالتحقيق التام . ( وإذا ذقت ) ، أي أدركت بذوقك بأن تلبست بذلك حالا لا خيالا ( هذا ) الأمر الحق في هذه المسألة على حسب ما ذكرناه ( ذقت الغاية ) في العلم بالتجليات الذاتية ( لتي ليس فوقها غاية ) أبدا من جهة الوضوح والانكشاف ( في حق ) العبد ( المخلوق ، فلا تطمع ) بعد ذلك أيها العبد المخلوق ( ولا تتعب نفسك ) بأن تجتهد ( في أن ترقى ) ، أي ترتفع من العلم بالتجليات الذاتية ( في أعلى من هذا الدرج ) المذكور لك هنا في ضمن هذا المثال المضروب الذي خلقه اللّه تعالى لهذا الأمر ( فما هو ) ، أي الارتقاء في أعلى من هذا الدرج ( ثمّ ) ، أي هناك في وسع المخلوق ( أصلا ) في هذا العالم ، وأما في عالم الآخرة عند رؤيته تعالى فلا كلام في ذلك ، لأنه غيب وكلامنا الآن في الشهادة ، فإن اللّه تعالى ظاهر وهو منزه عن التصوّرات ، لأنها إمكان والواجب لا إمكان فيه فلا صورة له ، وأنت مصوّر ممكن ولك حس وعقل مصوّر مثلك ممكن كإمكانك ، فإذا أحسيت بالظاهر الحق تعالى بأحد حواسك ، وعقلته بعقلك ظهرت لك صورتك الاستعدادية في مرآة ذات الظاهر الحق ، فلا يمكنك أن تمحو صورتك الظاهرة لك في مرآة ذات الحق تعالى حتى ترى ذات الحق تعالى ، على ما هي عليه أبدا ( وما بعده ) ، أي بعد هذا المذكور ( إلا ) شهودك ( العدم المحض ) فإنك إذا محوت الصورة الظاهرة لك في مرآة ذات الحق تعالى محوت صورتك فرجعت إلى عدمك ، فإذا شهدت بعد ذلك لا تشهد إلا عدمك ، فإذا تحققت في شهود عدمك شهدت العدم المحض ، وذات الحق تعالى ليست بعدم بل هي وجود محض ، وأين الوجود من العدم ؟ فقد أبعدت عن شهود الحق تعالى حينئذ ، فإذا علمت هذا .